هشام جعيط

113

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

كان موجودا منذ ابتداء الفتح ، متقفيا الجيش ، متصيدا الغنيمة « 1 » . لكن هل نحن على يقين من إنشاء السوق لمثل هذا الصنف من المبادلات وحتى لهذا الصنف البشري ، أي لتاجر الجيش ، المضارب المغامر المتجول ؟ إن السوق المركزية ، كما سيظهر ذلك من خلال تطورها اللاحق ، مكان للمبادلات ومكان للانتاج . وقد أنيطت بها خدمة جماعة في سبيل التمركز والاستجابة لحاجاتها الحيوية . وهنا أيضا ، كان عالم سوق الجيش مدعوا للاستقرار ، وتكييف نشاطاته مع نظام المدينة الجديدة ، تماما كما كان المقاتلون يتمصرون . اللهم إلا إذا كان تقاطر على السوق صنف آخر من التجار والصناع ، صنف من غير المضاربين في الجيش ، من المستقرّين الأصليين ، قدموا من المدائن أو من غيرها من البلاد ، مختصّين ، قنوعين بالربح القليل من نمط تجّار الدّكاكين . ونحن نعلم أنّ السوق ستمتلىء فيما بعد بالعبيد والموالي . أما على صعيد التمصير ، فإن التحديد المجالي هو الذي يشد انتباهنا في الواقع . لم يهتم بالأمر سوى مصدرين فحسب : هما سيف « 2 » واليعقوبي في كتاب المدائن « 3 » . فلم يذكر البلاذري شيئا بخصوص هذه الفترة التأسيسية ، لكن بالطبع وردت إشارات متفرقة عن العصر الأموي ، تأتي في سياق الخبر السياسي « 4 » ( الطبري ) ، أو في طيّات التراجم لرجال الدين ( ابن سعد ) « 5 » . وما يترتب عن كل هذه الأمور ويلفت نظرنا فورا ، أن السوق أو الأسواق لا بد أن موقعها كان إلى شمال المسجد وإلى شرقيه ، وأنها كانت محيطة بواجهته الشمالية ، وقاضمة من واجهته الشرقية ، غير بعيدة عن زاوية القصر الشمالية الشرقية . ويمكن أيضا التفكير مع الجنابي « 6 » أنها كانت تقع شرقي المسجد وتبلغ الواجهة الشمالية للقصر . روى سيف خبرا جاء فيه أن صبر سعد قد نفد لتصاعد ضجيج السوق إليه وهو جالس في القصر يتحدث « 7 » . كما توفر خبران متكاملان ، أحدهما لسيف والثاني لليعقوبي ، القصد منهما تبرير امتداد السوق بجوار الجهة الشمالية للمسجد مباشرة ، حتى الحدود الشرقية الشمالية للصحن . وقد ذكرنا أن سيفا تحدث عن نقل المسجد في اتجاه الجنوب ، وبذلك توفر فراغ

--> ( 1 ) صالح أحمد العلي ، التنظيمات ، ص 263 . ( 2 ) الطبري ، ج 4 ، ص 45 . ( 3 ) كتاب البلدان ، ص 311 . ( 4 ) الطبري ، ج 6 ، ص 19 وص 30 . ( 5 ) الطبقات ، ج 6 ، ص 136 وص 226 . ( 6 ) الجنابي ، مرجع مذكور ، ص 86 . ( 7 ) الطبري ، ج 4 ، ص 47 .